سيد محمد طنطاوي

92

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

في سبب نزول قوله - تعالى - ، وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه . . إلخ السورة ، فيها مقال . فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها ، أن بعضها مرسل وفيه مبهم ، وبعضها في إسناده ضعف . . « 1 » . 5 - ( أ ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر ، نراها في مطلعها تؤكد أن يوم القيامة حق ، وأنه آت لا ريب فيه ، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو اللَّه الخالق لكل شيء . قال - تعالى - : أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه ، سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ، أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ . ( ب ) تم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية اللَّه وقدرته ، عن طريق خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان والحيوان ، وعن طريق إنزال الماء من السماء ، وتسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم . . وغير ذلك من النعم التي لا تحصى . استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكى جانبا من هذه النعم فتقول : خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ، تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . والأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنْها تَأْكُلُونَ . ولَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ . وتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيه إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . ثم تقول : وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأَنْهاراً وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه لا تُحْصُوها ، إِنَّ اللَّه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . ( ج ) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكى جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم ، وتصور استسلامهم لقضاء اللَّه العادل فيهم يوم الحساب ، فتقول : وإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا : أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ . لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ . إلى أن تقول : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ، بَلى إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 596 .